كيف تتكيف الإبل مع البيئة الصحراوية الجافة

نشرت من قبل globalforvet في

مثلت الإبل إحدى دعائم الحياة عند العرب قديماً وذلك لما حباها الله سبحانه وتعالى من قدرات عالية على تحمل قسوة الصحاري والسفر فيها فأطلق على الجمل سفينة الصحراء. ومع تطور البحوث العلمية، فقد بدأ المهتمون بالإبل دراسة خصائصهذا الحيوان الفريد التي قد تعين في التعرف على الحقائق التي تقف وراء التحمل العجيب للإبل، إضافة إلى ذلك فإن لحوم الإبل وألبانها تلقى إقبالاً كبيراً لدى شرائح عريضة من الشعوب العربية وغيرها مما زاد اهتمام العلماء بإجراء مزيد من البحوث على الإبل أملاً في زيادة إنتاجها من اللحوم الحمراء والحليب كمصادر غذائية مهمة للإنسان في تلك البلدان، والمؤتمر الدولي المنعقد في رحاب جامعة القصيم هو خير شاهد على تزايد اهتمام الباحثين والمحافل العلمية العالمية بالإبل، ويبلغ تعداد الإبل حالياً على مستوى العالم حوالي 19 مليون رأس تملك المملكة العربية السعودية وحدها حوالي 5% منها أي ما يقرب من المليون رأس، وأشهر أصناف الإبل وأكثرها انتشاراً هي المجاهيم التي يصل وزن الناقة فيها بين 500 – 800 كجم وهي ذات لون أسود مائل للحمرة وتستخدم في إنتاج اللبن، ثم المغاتير أو البيض وهي ذات لون أبيض وهناك الصفر والشعل والزرق والقمر والحمر والساحلية والحضانة والعوادي والهجن العمانية والحرة والسودانية، وتستخدم الهجن في المملكة العربية السعودية ودول الخليج في سباقات الهجن التي تعقد بانتظام على مستويات عالية من الإتقان وترصد لها جوائز قيمة .
تنتمي الإبل إلى العائلة الإبلية Camelidaeوالتي تحتوي على نوعين من الإبل، العربية أو وحيدة السنام Camelus Dromedares والبخارية و ذات السنامين Cametus Bactrianus وتسمى الأخيرة جمال العصر القديم . وقد ورد ذكر الإبل في القرآن الكريم في عدة مواضع منها قوله تعالى: { أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } (17)سورة الغاشية. مما يدل على تفرد هذا الحيوان بصفات دون غيره من الحيوانات .
وسوف نستعرض في هذه الأطروحة بعضاً من خصائص الإبل التشريحية والفسيولوجية التي تعكس قدرة الإبل على التكيف مع ظروف البيئة الصحراوية الجافة ودرجات الحرارة العالية صيفاً والباردة شتاء في بيئة يندر فيها الماء . فلو نظرنا إلى كريات الدم الحمراء في الإبل نجد أنها بيضاوية الشكل وليس بها أنوية ويحتوي دم الإبل على نحو 12.5 مليون خلية في المليمتر المكعب الواحد وتراوح أبعاد الخلايا بين 7.7 و 10.1 مايكرومتر طولاً و4.2 و 6.4 مايكرومتر عرضاً ويبلغ سمكها حوالي 2.5 مايكرومتر ويبلغ حجم كريات الدم المترسبةPCV 28.5 الى30%، ولا تتأثر هذه القيم بتعطيش الإبل ولا بإعطاء مدرات البول ولا بالإجهاد العضلي، وتتميز خلايا الدم الحمراء في الإبل بقلة الهشاشية الأسموزية حيث تستطيع هذه الخلايا أن تتمدد في أوساط قليلة الضغط الأسموزي لأكثر من ضعف حجمها، كما تستطيع الإبل بعد التعطيش من شرب كميات كبيرة من الماء تصل إلى حوالي 100 لتر في 10 دقائق دون أن تتعرض خلايا الدم فيها إلى التكسير ويرجع ذلك إلى قدرة الخلايا على تغيير شكلها وثباتها ضد قلة الضغط الأسموزي. على العكس من ذلك فلا تستطيع خلايا الدم الحمراء في الثدييات الأخرى أن تتحمل التعرض لضغط أسموزي منخفض في الدم وبالتالي تتكسر . وعلى الرغم من أن مكونات غشاء خلايا الدم الحمراء من الدهون الفسفورية لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها في الاغنام والماعز نجد أن قدرة خلايا دم الإبل على مقاومة التحطم عالية مقارنة بباقي الحيوانات الأخرى .
أما بالنسبة لكريات الدم البيضاء فلا تختلف وظائفها في الإبل عنها في بقية الثدييات إذ تقوم بمكافحة حالات الالتهاب والخمج، ولا تظهر هذه الخلايا أي اختلافات وظيفية في التأقلم على البيئة الصحراوية ويفوق عدد كريات الدم البيضاء في الإبل 13.23 x10(تكعيب) في الملليمتر المكعب وتحتوي على حوالي 51% خلايا عدلات و40% خلايا لمفاوية و4% خلايا وحيدة النواة و4% خلايا حمضات و0.5% خلايا قعدات .
وقد وجد أن الصفائح الدموية في الإبل أعرض وأصغر من الصفائح الدموية في غيرها من الثدييات والإنسان، ومن ناحية عدد صفائح الدم في الإبل فهو مرتفع ويبلغ نحو ثلاثة اضعاف ما نجده في دم الإنسان كذلك وجد أن تركيز عنصر التجلط الثامن في دم الإبل يعادل 5 – 10 أضعاف تركيزه في دم الإنسان، أما عنصر التجلط العاشر ومادة الفيبروجين وزمن البروثرمبين والثرمبوبلاستين فهي أقل في الإبل عنها في الإنسان، وأثبتت بعض الدراسات الحدية أن صفائح الدم في الإبل (خلافاً لصفائح دم الإنسان) لا تستجيب للاستثارة .
وبجانب الخصائص الفريدة لكريات الدم الحمراء فإن لعملية التنفس دوراً مهماً في الحفاظ على المحتوى المائي في جسم الإبل عند التعرض للعطش والجفاف. فعند ارتفاع درجة الحرارة في البيئة الصحراوية لا تحدث عملية اللهاث كما في بعض الحيوانات وبالتالي يقل معدل التنفس. ومن المعروف عن معظم الحيوانات أن زيادة درجة حرارة الجو يصحبها زيادة معدل التنفس ويزداد معه معدل فقد الماء في صورة بخار الماء الذي يخرج مع هواء الزفير. ولكن في الإبل يلعب الجهاز التنفسي دوراً مهماً في الحفاظ على الماء عند التعرض للجفاف ويرجع ذلك إلى قدرة الإبل على خفض درجة حرارة هواء الزفير أثناء مروره في الممرات التنفسية في الأنف وبالتالي إخراج هواء به نسبة قليلة من بخار الماء